Friday, September 09, 2005

تعرف على جلادي الشعب السوري


(1) تعرف على جلادي الشعب السوري ـ علي مملوك : إضاءات على زوايا من تاريخه الغامض في الجهاز الأكثر غموضا
المجلس الوطني للحقيقة والعدالة والمصالحة في سورية 19.6.2005 :
في إطار قراره غير المعلن بـ " عسكرة " إدارة المخابرات العامة ، أصدر الرئيس السوري بشار الأسد قبل بضعة أيام مرسوما يقضي بتعيين اللواء علي مملوك مديرا لهذه الإدارة ( المعروفة باسم أمن الدولة ) خلفا للواء هشام الاختيار ( بختيار ) المنحدر من أصول فارسية تعود إلى القرن التاسع عشر ، وربما إلى ما قبل ذلك ، والذي تم تعيينه مؤخرا عضوا في القيادة القطرية لحزب البعث ، و رئيسا لمكتب الأمن القومي فيها . ويعتبر اللواء علي مملوك ( مواليد 1945 ) واحدا من أكثر ضباط المخابرات السورية غموضا بالنسبة للشعب السوري وللمراقبين ، في الداخل والخارج . وكان أول ذكر له في وسائل الإعلام ، وفي أدبيات المعارضة السورية ومنظمات حقوق الإنسان ، في 20 تموز / يوليو 2002 ، حين نشر " المجلس الوطني للحقيقة والعدالة والمصالحة في سورية " قائمة تتضمن 76 اسما من أسماء ضباط المخابرات السورية مرفقة بموجز لأخطر الجرائم التي تورطوا بارتكابها ، مباشرة أو مداورة ، ضد حقوق الأنسان في سورية ولبنان ، والذين طالب " المجلس" بمحاكمتهم عليها أمام القضاء الدولي . ومن المؤكد أن ملف اللواء علي مملوك الذي أعده " المجلس" ، وهو على أي حال ملف غير كامل ويحتاج إلى مزيد من الترميم ، الملف الوحيد المتوفر حول هذا الضابط الذي احتل على مدى أكثر من ربع قرن مهمات حساسة جدا في فرع المخابرات الجوية الذي تم تغيير وضعه الإداري في السلم التراتبي للقيادة العامة للجيش والقوات المسلحة ليصبح " إدارة المخابرات الجوية " ، وعلى قدم المساواة مع الإدارات الأخرى التابعة لرئاسة الأركان . والراجح أن ذلك كان بدفع من اللواء ابراهيم حويجة ، أول رئيس لفرع المخابرات الجوية بعد اكتسابه صفة إدارة ، من أجل التخلص من التبعية الإدارية والمالية واللوجستية لقيادة القوى الجوية والدفاع الجوي ، وبالتالي اكتساب المزيد من الاستقلالية في العمل ... على قدم المساواة مع شعبة المخابرات العسكرية " لصاحبها " العماد علي دوبا !
ينحدر اللواء علي مملوك من لواء اسكندرونة الذي اغتصبته تركيا في العام 1939 بالتواطؤ مع فرنسا إبان انتدابها على سورية ، وتخلى عنه النظام السوري بموجب اتفاقية أضنة الأمنية السرية في تشرين الأول / أكتوبر 1998 ، التي جاءت على ذكر الاتفاق المتعلق بلواء اسكندرونة في ملحقها الثالث الذي لم تتم الإشارة إليه في ديباجة الاتفاقية!! ( نقوم الآن بترجمة الاتفاقية بعد الحصول على نصها الأصلي ، من أجل نشرها) . وكانت أسرة اللواء مملوك من أوائل الأسر التي هجرت اللواء طوعا أو هجّرت منه قسرا إلى حلب واللاذقية ودمشق . وعلم " المجلس" أن توجيهات من دوائر رسمية عليا وردت فور تعيين اللواء مملوك في منصبه الجديد إلى بعض الصحفيين الذين يراسلون صحفا عربية تصدر في لندن والخليج ، ولأسباب يمكن للقارىء فهمها دون عناء ، طلبت من هؤلاء أن يضمّنوا تقاريرهم المتعلقة بخبر تعيينه معلومة تقول بأن " اللواء علي مملوك دمشقي أصيل وينحدر من حي العمارة في دمشق القديمة " !! ومن المؤكد أننا سنقرأ هذه الإشاعة في تقارير هؤلاء خلال الأيام القليلة القادمة على نحو واسع !!
بعد استيلائه على السلطة في العام 1970 ، عهد الجنرال حافظ الأسد إلى اللواء محمد الخولي بمهمة بناء فرع المخابرات الجوية ( إدارة المخابرات الجوية لاحقا) . وقد كان علي مملوك ، رغم صغر رتبته آنذاك ، واحدا من الضباط الأوائل الذين اصطفاهم الخولي لتأسيس جهاز للمخابرات الجوية يتمتع بؤهلات وكفاءات بشرية وتقنية عالية . ويمكن الإشارة هنا إلى أهم الضباط المؤسسين للجهاز ، بالإضافة للخولي :
ـ ابراهيم حويجة ( ينحدرمن ناحية عين شقاق في منطقة جبلة . وهي بلدة متاخمة لبلدة محمد الخولي ـ بيت ياشوط) . ومن أبرز المهمات التي أوكلت لحويجة لاحقا مهمة اختراق " القوات اللبنانية " برئاسة سمير جعجع وقيادة عملية الانشقاق التي تولاها إيلي حبيقة . كما وتعتبر عملية شق حزب الكتائب اللبناني ، أو بالأحرى تنظيم انقلاب داخلي في الحزب بقيادة كريم بقرادوني وجماعته ضد آل الجميّل ، مهمة أخرى من أبرز المهمات التي أوكلت للواء حويجة . وللتذكير فإن كريم بقرادوني أصبح رجل المخابرات الجوية الأول في لبنان بعد أن " أنهى " علاقته الوثيقة والمعروفة بإسرائيل . وهناك معلومات قوية جدا تؤكد أن جهاز الأمن الخاص بكريم بقرادوني ضالع بشكل كبير في اختطاف رفيقه بطرس خوند من قبل المخابرات الجوية ونقله إلى سورية . الأمر الذي يمكن أن يفسر تلك العبارة التي طالما رددها بقردوني والقائلة : " فكروا فيه ( أي ببطرس خوند) كما لو كان في نقاهة وسوف يعود الينا قريبا " !
ـ مفيد حماد ( شقيق زوجة الخولي ) . وقد أوكل له عدد من العمليات الخاصة الخارجية لعل أهمها عملية الاستطلاع في الأردن التي مهدت لمحاولة اغتيال رئيس الوزراء الأردني الأسبق مضر بدران على يد " سرايا الدفاع " التي كان يقودها رفعت الأسد ، والتي فشلت فشلا ذريعا وتم اعتقال قائدها العقيد عدنان بركات وبقية أفراد مجموعته الإرهابية من قبل المخابرات الأردنية ؛
ـ ياسين محمد ياسين ( من قرية قرقفتي ـ ريف منطقة بانياس الساحلية ) ، وإن تكن مسؤوليته في سلاح الجو قد طغت على مهماته الأمنية ؛
ـ عز الدين اسماعيل ( المدعو أحيانا : عز الدين حمرة ) . وينحدر من قرية بسطوير في منطقة جبلة وهو متزوج من شقيقة الضابطين الشهيرين هاشم معلا ( العميد المتقاعد من القوات الخاصة ، والمسؤول عن ارتكاب مجازر جماعية في حلب وجسر الشغور فضلا عن حمانا في لبنان ) و محمود معلا ( رئيس أركان الحرس الجمهوري) ؛
ـ هيثم سعيد ، المنحدر من ريف السلمية ، ورئيس مكتب محمد الخولي لسنوات طويلة . ويعرف عن هذا الرجل أنه كلف في الثمانينيات باغتيال أكرم الحوراني في باريس . كما ويعرف عنه أنه كان " المدير التنفيذي " لعملية اغتيال رئيس الوزراء الأسبق صلاح الدين البيطار في باريس أيضا ؛
ـ عبد الكريم النبهان ، رئيس فرع المخابرات الجوية في المنطقة الوسطى ( حمص) لاحقا .
حين أسس جهاز المخابرات الجوية ، كانت المهمة الأساسية الموكلة إليه ، إن لم نقل الوحيدة ، هي أمن سلاح الجو السوري ، وفي المقدمة أمن " الطائرة رقم 1 " في هذا السلاح إذا جاز التعبير . أي الطائرة الرئاسية ، وكل ما يستتبع ذلك من جوانب أمنية ولوجستية تتعلق بالرئيس الأسد لاسيما أثناء سفره خارج القطر . هذا بالإضافة لبعض العمليات الخاصة في الخارج ، سواء منها المتعلقة بأمن سلاح الجو مباشرة ( أمنيا وتقنيا) ، أو تلك المتعلقة بشخصيات سياسية معارضة . والمعلومات المتوفرة تشير إلى أن عملية اغتيال إيلي حبيقة قد نفذت من قبل هذا الجهاز ، خصوصا إذا علمنا أن الأمن الخاص لإيلي حبيقه ، ومنذ أن دبر اللواء حويجة عملية انشقاقه عن جعجع وحتى تصفيته ، كان من جهاز المخابرات الجوية السوري !
بسبب طبيعة المهام الخاصة التي أوكلت لهذا الجهاز ، من الصعب الحديث عن دور بارز له ، على الأقل من ناحية الكم لا النوع ، في عمليات القمع الداخلية التي اضطلعت بها المخابرات العسكرية بالدرجة الأولى ، والمخابرات العامة بالدرجة الثانية والأمن السياسي ( التابع لوزارة الداخلية ) بالدرجة الثالثة . وقد ظل دور المخابرات الجوية " ملتبسا " دوما لجهة علاقتها بالحياة السياسية الداخلية ، وإن يكن من المؤكد لدينا أن اللواء محمد الخولي كان وراء إنشاء عدد من " الدكاكين " السياسية خلال الثمانينيات ، لعل أبرزها " دكان " كريم الشيباني ، الذي يحمل اسم "الحزب الوطني الديمقراطي " . مع الإشارة إلى أن الشيباني ينحدر من قرية " عين قيطة " وهي عمليا حارة من حارات بلدة محمد الخولي " بيت ياشوط " ، وأن الخولي كان وراء تعيين الشيباني عضوا في " مجلس الشعب" خلال الفترة 1986 ـ 1990 . والملاحظ أن إغلاق "دكان" الشيباني قد تزامن مع انطفاء اسم الخولي وخروجه من الحياة العامة !
عموما ، يمكن القول إن أكبر عملية قمعية أسندت للمخابرات الجوية ضد المعارضة السياسية هي العملية التي قادها ضد " حزب التحرير الإسلامي " مطلع التسعينيات الماضية ، والتي أسفرت عن تفكيك البنية التنظيمية لهذا الحزب واعتقال حوالي المئتين من قياداته وكوادره المؤهلة تأهلا علميا عاليا ( أطباء ، مهندسون ، محامون .. إلخ ) . وكانت إناطة هذه المهمة بالمخابرات الجوية دون غيرها من الأجهزة لسبب أقرب ما يكون إلى " المصادفة " منه إلى أي التخطيط المسبق ، إذ إن أول من اعتقل من كوادر حزب التحرير الإسلامي كان ضابطا في سلاح الجو . وبعدها كرّت السّبّحة ! وثمة عرف متبع في سورية يقوم على أن الجهاز الأمني الذي يكتشف قضية ، أو تنظيما معارضا ، يسند إليه أمر متابعتها إلى آخرها ، فيما تقوم الأجهزة الأخرى بمساعدته إذا تقاطع نشاطها في مرحلة من مراحل المتابعة مع الجهاز الذي اكتشفها . أما القضايا السياسية الأخرى التي تولت المخابرات الجوية الاضطلاع بها فكانت قضايا أقرب إلى " الفردية " ، إذا ما استثنينا قضية " المحاولة الانقلابية " الوهمية التي فبركها هذا الجهاز في العام 1986 كفخ لاصطياد الضباط المشكوك في ولائهم . وقد تمت العملية بالتنسيق مع اللواء أحمد عبد النبي قائد الفرقة السابعة آنذاك ، الذي قام بدور الطعم المسموم !
ينبغي أن نضيف أيضا ، ولو على صعيد ممارساته القمعية الخارجية البارزة ، لكن غير المعروفة إلا على نطاق محدود ، عملية مطاردة أتباع الجنرال ميشيل عون ( المدنيين ، لا العسكريين ) فيما كان يسمى "بيروت الشرقية " ومحيطها بعد أن دخلتها القوات السورية ، وبشكل خاص مناطق المتن والضبية والأشرفية وعين سعادة وبيت مري وبرمانا و " المونت فيردي" . وقد تمت هذه العملية بدعم كبير من عناصر جهاز الأمن الخاص لحزب الكتائب ـ جناح بقرادوني ، الذين عملوا مع المخابرات الجوية السورية كدلاّلين أو كـ " كلاب شمّامة " ! ولا بد من الإشارة هنا إلى أن ابراهيم حويجة أسس مركزا هاما له في منطقة حرش تابت ـ سن الفيل في بيروت منذ العام 1978 . وقد تولى هذا المركز جميع العلمليات المشار إليها أعلاه . وليس مصادفة أن القيادي الكتائبي بطرس خوند قد اختطف من هذه المنطقة بالذات في أيلول / سبتمبر من العام 1992 !
***
لا شك بأن الكثيرين سينظرون إلى تولية علي مملوك منصب مدير المخابرات العامة بوصفها نقلة نوعية تتيح لهذا الرجل أن يكون عضوا في " الحلقة الذهبية " التي تصنع القرار في سورية . وبغض النظر عن دقة ذلك أو عدمها ، ينبغي القول إن العصر " الذهبي " للواء مملوك كان خلال فترة رئاسته لفرع التحقيق في المخابرات الجوية الذي اضطلع بارتكاب جرائم نوعية ربما لم يرتكبها أي جهاز آخر في العالم بعد الحرب العالمية الثانية ، بما في ذلك أجهزة صدام حسين . ونعني بذلك اختبار الأسلحة البيولوجية والكيميائية على عشرات المعتقلين السياسيين السوريين واللبنانيين والفلسطينيين والأردنيين الذين أنكر وزير الداخلية الأردني عوني يرفاس قبل بضعة أيام ، كاذبا ، وجودهم في سورية !! وهو ما سيكون موضوع رد موثق من قبلنا قريبا .
وكما هي الحال في بقية أجهزة المخابرات السورية الأخرى ، أسست المخابرات الجوية منذ البداية " فرع تحقيق" خاصا بها . وقد تقرر أن يكون مركزه داخل مطار المزة العسكري في ضواحي دمشق الجنوبية الغربية . ومن اللافت أن جهاز أمن " سرايا الدفاع " المنحلة ، التي كان يقودها رفعت الأسد ، هي الجهاز الآخر الذي أقام فرع تحقيق داخل المطار العسكري نفسه ، فضلا عن فرعه الآخر الذي أقامه في معسكرات القابون ، حين كان الرائد سليمان جيد رئيسا للجهاز. وكان هذا التجاور الجغرافي داخل حرم المطار فرصة لتوثيق العلاقات بين الجهتين ولتعاونهما ، فضلا عن الفرصة الأخرى المتمثلة بتقاطع المهمات الأمنية للجهتين فيما يتصل بأمن الجنرال الراحل حافظ الأسد ، حتى العام 1984 . ويمكن القول إن تلك الفترة كانت بداية " التعارف" وتوثيق العلاقة بين علي مملوك وضباط "سرايا الدفاع" . وهي العلاقة التي تعززت من خلال " صديقهما المشترك " المتمثل بتجار دمشق الذين يعتبرون مملوك " دمشقيا أصيلا " ! وثمة معلومات ، غير مؤكدة ، تقول بأن علي مملوك " ما يزال يحتفظ بعلاقة غير معلنة مع رفعت الأسد ، تتم رعايتها باستمرار على أيدي رجلي الأعمال الدمشقيين وليد جلمبو وفاروق جي " .
يتعبر اللواء علي مملوك واحدا من أكثر ضباط المخابرات وحشية في سورية . وهو يصنف من حيث الوحشية في قائمة هشام اختيار ( بختيار) ومصطفى التاجر ويحي زيدان وعبد المحسن هلال . أي في زمرة الضباط الذين تدفعهم ساديتهم إلى ممارسة التعذيب بأيديهم مباشرة حين يصلون إلى استعصاء في عملية التحقيق مع ضحاياهم . ومن إرشيفه الموجود لدى " المجلس " نقتطف ما يلي :
أولا ـ وسائل التعذيب التي استخدمها علي مملوك في فرع التحقيق بمطار المزة وأبرز ضحاياها:
ـ الرينغ ، أو الحلقة : وهي عبارة عن أكرة معلقة في السقف ، ذات أخدود على محيطها ، شبيهة بتلك التي تستخدم لحركة الحبل الذي يرفع دلو الماء من البئر .
يتم تقييد المعتقل من رسغيه خلف ظهره بوساطة " الكلبشة " أو وسيلة أخرى . وبعد ذلك يجرى تعليق القيد بأحد طرفي حبل يتدلى من " الرينغ " المعلق في السقف . وهذا الحبل حر الحركة والانزلاق في الأخدود المحيط بـ " الرينغ " ، صعودا وهبوطا . بعد ذلك يقوم أحد عناصر المخابرات ، أو أكثر من عنصر ( وذلك تبعا لوزن المعتقل الذي يخضع للتعذيب ) ، بسحب الحبل من طرفه الآخر كما لو أنه يسحب ماء من بئر . الأمر الذي يؤدي إلى رفع المعتقل عن الأرض . وبالنظر لأن المعتقل يكون مقيدا من الخلف وليس من الأمام ، أي عدم وجود أي إمكانية لحركة الساعدين إلى الأعلى من مفصلي الإبطين ، فإن مجرد رفع السجن عن الأرض ، ولو لبضعة سنتيمترات قليلة ، يتسبب بآلام رهيبة في المفصلين عند الكتف . وفي كثير من الأحيان تحصل عملية أشبه ما تكون بفسخ الدجاجة ، خصوصا إذا كان السجين ذا وزن كبير أو إذا سحب الجلاد الحبل بسرعة ( بطريقة النتر ) . ومن أبرز المعتقلين الذين استخدمت معهم هذه الطريقة وكان علي مملوك مشرفا على تعذيبهم شخصيا : رئيف داغر ( مواطن لبناني سلمه حزب الله للمخابرات الجوية السورية . وتعرض للتعذيب بهذه الأداة بتاريخ 18 أيلول / سبتمبر 1990 ) ؛ ضرار عبد القادر ( مواطن لبناني اختطفته الجبهة الشعبية بقيادة أحمد جبريل وسلمته للمخابرات الجوية في حزيران / يونيو 1986 ، ويعتقد أنه تابع لحركة الشيخ سعيد شعبان في طرابلس . عذب بهذه الوسيلة في تموز / يوليو من العام نفسه ) ؛ كلود حنا خوري ( رقيب في الجيش اللبناني من الموالين للجنرال ميشيل عون . عذب بهذه الطريقة في شهر تشرين الثاني / نوفمبر 1990 ) ؛ الدكتور فؤاد طالباني ( ابن عم الرئيس العراقي الحالي جلال الطالباني . اختطف من مطار دمشق بينما كان عابرا بطريقة الترانزيت قادما من لندن. جرى تعذيبه بهذه الطريقة في شهر آب / أغسطس 1989 لإجباره على الاعتراف بأنه ذاهب لمقابلة صدام حسين بأمر من جلال الطالباني . وبعد أن فشل مملوك في انتزاع الاعتراف الذي يريده منه وضع عنقه على الحافة المعدنية لمدخل غرفة التحقيق وظل بفرك عنقه بحذائه جيئة وذهابا إلى أن كسر فقرات رقبته . وقد أصيب بشلل نهائي في طرفيه العلويين والسفليين ، فضلا عن تيبس وتخشب رقبته بزاوية حادة جدا مع كتفه الأيسر . وقد شاهده العشرات من معتقلي سجن صيدنايا العسكري ، وتحديدا الجناح أ / يسار في الطابق الثالث ، حين نقل من السجن بتاريخ 2 نيسان / أبريل 1992 إلى مكان مجهول . واللافت أن " المجلس " حين اتصل بحزب جلال الطالباني قبل سنتين ( من خلال سيدة في هولندة هي شقيقة الوزيرة الكردستانية نسرين برواري ) من أجل استكمال التحقيق بشأن وضع الدكتور فؤاد ، أعطوا إجابة غامضة لم نفهم منها أي شيء . فتارة كانوا يقولون إنه توفي في السجن وسلمت لهم جثته، وتارة كانوا يقولون بأنه توفي بعد إطلاق سراحه !. لكن ما هو مؤكد أن ثمة صفقة ما قد أبرمت بين جلال الطالباني من جهة وحافظ الأسد وأجهزته الأمنية من جهة ثانية لعدم إثارة الموضوع إعلاميا ، ولكي تتم لفلفة القضية بهدوء . ويرى " المجلس " أن السيد جلال الطالباني وحزبه " الاتحاد الوطني الكردستاني " ، خصوصا بعد تغير الظروف وأصبح رئيسا للعراق ، مطالب بتوضيح مصير المغدور الدكتور فؤاد وطبيعة الصفقة التي جرت لطمس القضية .
ـ المرج : وهو عبارة عن لوح سميك من الخشب مرصّع بحصى من الصوان مدببة وحادة . ويتم إجبار المعتقل على المشي عليه أو الهرولة فوقه . وعند محاولته التوقف يتم ضربه بالكابل الرباعي ( الفولاذي المخصص لنقل الكهرباء ذات التوتر العالي ) من قبل عدد من العناصر المحيطين بلوح الخشب ، وذلك لإجباره لاإراديا على الحركة فوقه ومنعه من الخروج عنه . ومن أبرز المعتقلين الذين عذبوا به ، إضافة لمن ذكرت أسماؤهم سابقا ، كل من : عصام الكعدة ( مواطن لبناني اختطفته حركة أمل بقيادة نبيه بري وسلمته للمخابرات السورية في العام 1983 . ولا نعرف بالضبط كيف وجد طريقه إلى فرع التحقيق في المخابرات الجوية في العام 1989 ، الذي نقله في آذار / مارس من العام نفسه إلى معتقل خان أبو الشامات السري )؛ الياس ميشيل عبد النور ( مواطن لبناني لا نعرف حتى الآن كيف وصل إلى فرع التحقيق المذكور حيث شوهد فيه بتاريخ 12 آذار / مارس 1984 وتم تعذيبه لعدة أشهر اختفى فيها أثره بعد ذلك ، ليظهر من ثم في المقر الجديد للمخابرات الجوية في ساحة التحرير بالقرب من حي باب توما في دمشق أوائل نيسان / أبريل 1989 ) .
ثمة معلومات أخرى لدينا تتعلق بالمواطن السوري فخر زيدان تفيد بأنه تعرض للعذيب بوسائل من هذا القبيل . إلا أننا لم نستطع التيقن منها . وفخر زيدان ( المنحدر من ريف محافظ طرطوس ) سبق له أن اعتقل من قبل المخابرات الجوية على ذمة البعث الديمقراطي برفقة زوج ابنة عمه ، غالب حسن محمد ، الذي كان يعمل في نقابة عمال المطابع بجريدة "الثورة" الرسمية . وقد حاولنا مرارا وتكرارا الحصول منه ( أي من السيد فخر زيدان ) على ما لديه من معلومات تتعلق بالتعذيب في المخابرات الجوية ، والتي كان شاهد عيان عليها ، إلا أنه رفض الإدلاء بأي معلومات رفضا قاطعا !!؟؟
تبقى ملاحظة ينبغي الإشارة إليها هنا . وهي أن أحد زملائنا ، وقد صادف أن كان معتقلا مع الدكتور فؤاد طالباني في سجن صيدنايا قبل نقله من السجن ، شاهد باطن قدمي الدكتور طالباني ولاحظ أنها مليئة بندوب كثيفة لجروح ملتئمة يتراوح طول كل منها ما بين 5 ـ 15 مم . وهذا ما يشير إلى أنه أجبر على المشي فوق " المرج " . كما وينبغي أن نشير هنا إلى أن اسم أداة التعذيب هذه مأخوذ من أداة درس القمح التقليدية التي يستعملها الفلاحون في البيادر .
ليست هاتان الوسيلتان أداتي التعذيب الوحيدتين اللتين استخدمهما اللواء مملوك وجلادوه حين كان رئيسا لفرع التحقيق في المخابرات الجوية . فهناك الوسائل " التقليدية " الأخرى المعروفة كالدولاب وبساط الريح والحرق بأعقاب السجائر والضرب بالكابل الفولاذي الرباعي .. إلخ . وقد أشرنا إلى هاتين الأداتين حصرا لاعتقادنا أنهما من ابتكارات مملوك وابداعاته وحده دون غيره ، إذ ليس لدينا أي قرينة تثبت أنهما استخدمتا في مراكز اعتقال أخرى ، سواء تابعة للمخابرات الجوية أو غيرها .
ثانيا ـ علي مملوك وقضية اختبار الأسلحة الكيميائية والبيولوجية على المعتقلين السياسيين :
بصفته رئيسا لفرع التحقيق في المخابرات الجوية ، لعب علي مملوك دورا أساسيا في فرز العشرات من المعتقلين السوريين واللبنانيين والأردنيين والفلسطينيين إلى معتقل " خان أبو الشامات " السري التابع للمخابرات الجوية من أجل إخضاعهم لاختبار أسلحة كيميائية وبيولوجية . وطبقا لمعلومات مؤكدة فإن مملوك كان عضوا في اللجنة العليا التي أشرفت على هذه الجريمة ، والتي ضمت وزير الدفاع السابق مصطفى طلاس وأحد مستشاريه للشؤون العلمية ، فضلا عن خبراء من مركز البحوث العلمية التابع لوزارة الدفاع والذي ترأسه في حينها الدكتور واثق شهيد وخلفه اللواء علي ملاحفجي ( القائد الأسبق للقوى الجوية والدفاع الجوي ) ، وأطباء تابعين لإدارة الخدمات الطبية العسكرية وضباط من المخابرات الجوية . وكان الدور الأخطر الذي لعبه مملوك في هذه الجريمة هو انتزاعه اعترافات خطية من المعتقلين لديه تتضمن نصا على الشكل التالي :
" ... أنا السجين (.....) ، وبعد أن تبلغت حكم الإعدام الصادر بحقي ، أعرب بملء إرادتي ودون إكراه عن استعدادي للتطوع من أجل اختبار عقاقير طبية لصالح مصانع إنتاج الأدوية ، سواء منها التي تملكها وزارة الصحة أو تلك التابعة لوزارة الدفاع ، أو أي جهة حكومية أخرى .." .
يشار إلى أن " المجلس " يتابع هذه القضية منذ سنوات ، وقد أصد عددا من التقارير والتصريحات الخاصة بذلك منذ أن كشف عن وجود معتقل " خان أبو الشامات " السري التابع للمخابرات الجوية ، والذي يقع بالقرب من البلدة السورية المعروفة بالاسم نفسه شمال شرق دمشق . ( انظر الهوامش أدناه ) .
ثالثا ـ علي مملوك وقضية بطل الجمهورية العميد عصام أبو عجيب والطيار الهارب النقيب بسام العدل :
كان " المجلس " سباقا إلى الكشف عن قضية العميد الركن عصام غالب أبو عجيب رئيس أركان فرقة الدفاع الجوي الجنوبية عند اعتقاله في العام 1989 . وأشار " المجلس " في تقاريره المتعلقة بذلك إلى أن العميد " أبو عجيب" من مواليد بلدة القدموس ، منطقة بانياس ، 1945 . وأنه يحتفظ بالعديد من أوراقه التي دون فيها شهادته بعد نقله إلى سجن صيدنايا العسكري ربيع العام 1992 ، وقبل وفاته متأثرا بظروف الاعتقال الوحشية التي تعرض لها في زنزانته الانفرادية بمقر المخابرات الجوية المشار إليه أعلاه . ولأنه لا مجال لسرد قصة العميد أبو عجيب كاملة هنا ، نكتفي بما ذكره زميلنا السابق نزار نيوف في مقالة له حول هذه القضية . لكن قبل ذلك من المفيد الإشارة هنا إلى أن العميد أبو عجيب اعتقل بأمر من الرئيس السوري حافظ الأسد بعد أن أبدى في أحد الاجتماعات العسكرية عالية المستوى احتجاجه واستنكاره لجريمة الاختبارات المشار إليها ، وكشف عن اختراق أجنبي خطير لأمن سلاح الجو أدى إلى هرب النقيب الطيار بسام العدل الذي كان صديقا لعلي مملوك ويلعب معه القمار في شقق خاصة بالدعارة والقمار بحي المزرعة في دمشق . وحين صدر أمر الاعتقال بعد تقرير رفعه فيه اللواء ابراهيم حويجة وعلي مملوك لحافظ الأسد ، لم يقم علي مملوك بإرسال عناصره لاعتقال العميد أبو عجيب ، بل ذهب هو شخصيا ، بالنظر للحقد الأعمى الذي كان يكنه للراحل الكبير . وحين اقتاده من منزله في الطابق الرابع من البناية التي كان سكنها في حي البرامكة ( خلف مقر نادي تشرين الرياضي ) رفض السماح له حتى بتبديل ملابس نومه . وطيلة وجوده في فرع التحقيق بمطار المزة ( قبل نقله لمقر المخابرات الجوية ) ، مارس الجلاد علي مملوك أبشع أشكال التعذيب الجسدي والنفسي على العميد أبو عجيب ، وليس أقلّها إعطاء الأوامر للمجرمين الذين يعملون تحت إمرته بنتف شعره وشعر شاربيه بخيوط من النايلون ، وصب الماء البارد عليه ، وتبول بعضهم فوق فراشه من فتحة في سقف زنزانته .. وهو الضابط الذي أبلى في حرب أكتوبر بلاء عز نظيره ، والمثقف الذي يحمل إجازتين جامعيتين ، والشاعر المبدع المرهف ، والموسيقار الذي يجيد الإبداع على العديد من الآلات الموسيقية الشرقية والغربية !! وحين توفي عمدت أسرته إلى تشييعه يوم جمعه كي لا يتسنى لأي من أركان النظام المشاركة في جنازته ، فقام وزير الدفاع مصطفى طلاس بالاتصال بزوجته السيدة زهراء الأصفهاني " معاتبا " إياها لأنها لم تخبر القيادة بوفاة زوجها لكي تقوم بواجب التكريم ، مضيفا : " إن الراحل يحمل وسام بطل الجمهورية ، وهو فقيد كبير للوطن ، وتقتضي الأصول أن يشيع بمراسم عسكرية تليق به " . لكن السيدة التي أذهلتها هذه الوقاحة ، لم تملك من أمرها إلا أن أغلقت سماعة الهاتف بوجهه ، وأخذت تجهش بالبكاء على رفيق حياتها الذي وصل الفجور بهم إلى حد قتله والمطالبة بتشييعه بمراسم عسكرية !
من شهادة نزار نيوف ( أخبار الشرق ، 9 نيسان / أبريل 2005 ) :
" ... والجدير بالذكر أن العميد عصام غالب أبو عجيب أحد أشهر ضباط صواريخ الدفاع الجوي في سورية (يحمل وسام بطل الجمهورية على إسقاطه 43 طائرة إسرائيلية في حرب تشرين / أكتوبر 1973 ، حسب إحصاءات الخبراء السوفييت ، و21 طائرة حسب إحصاءات الجيش السوري ، إذ لم تكن كتائب الدفاع الجوي قد زودت بعد بتلك الأجهزة التي تحدد بدقة أي كتيبة أو سرية هي التي أصابت الأهداف )، وقد كان رئيسا لأركان فرقة الدفاع الجوي المسؤولة عن حماية سماء جنوب سورية حين اعتقل ـ بأمر من حافظ الأسد شخصيا، وبطلب عاجل من قائد المخابرات الجوية في حينه اللواء ابراهيم حويجة ـ بعد هرب الطيار العدل.وقد نفذ أمر الاعتقال العميد علي مملوك رئيس فرع التحقيق في الجهاز الأمني المذكور حين اقتاد العميد أبو عجيب من منزله في حي البرامكة بدمشق وهو في ملابس النوم. وكان ما تحدث به العميد عصام في اجتماع عسكري ـ قيادي كبير عن ظروف وملابسات هرب بسام العدل، فضلا عن أسباب أخرى لا مجال للكشف عنها الآن، وسأعمل على نشرها بالتفصيل في أقرب وقت ممكن (إذ إن قسما من أوراقه الخاصة موجود معي كأمانة)، دافعا من دوافع اعتقاله. وقد أخبرني العميد عصام، وكان قائدي في مرحلة من مراحل خدمتي العسكرية، قبل أن يصبح صديقي إثر تمزيقه تقريرا أمنيا رفعه بي قائد كتيبتي في اللواء 55 العقيد محسن جميل قبيلي( في قرية الحجّيرة قرب دمشق )، وقبل أن يصبح فراشه ملاصقا لفراشي في سجن صيدنايا العسكري مطلع العام 1992، أن بسام العدل هرب بتواطؤ من ضابط كبير جدا في أعلى هرم النظام السوري (اللواء...) كان على صلة بالمخابرات الأميركية. وأكد لي العميد عصام " أن بسام العدل جرى تجنيده في الخارج من قبل السيدة (...) حين كان في دورة تدريبية للتحويل من قيادة ميغ 21 إلى ميغ 23. وقد تبعته هذه السيدة إلى سورية، وتم اكتشاف أمرها من قبل المخابرات الجوية السورية، وتم اعتقالها. إلا أنه أفرج عنها بعد عدة أيام بتدخل من حكومة بلادها. وبعد أيام قليلة من الإفراج عنها، هرب بسام العدل بطائرته "! وأكد لي العميد عصام أنه " أخبر القيادة بأمر هذه السيدة والدور المسند إليها، وطلب منهم اعتقال بسام العدل ". ثم عاد وأثار هذا الموضوع مع أعلى المستويات، خصوصا حين اكتشف أن أوامر من جهة معينة في أعلى هرم النظام قد أعطيت لضباط الرمي في ألوية وكتائب الدفاع الجوي التابعة لفرقته في المنطقة الجنوبية بعدم إطلاق النار عليه حين اكتشف من قبل الرادارات، رغم طيرانه على مستوى منخفض جدا فيما بين الجبال والوديان باتجاه فلسطين، ورغم أنه كان يطير منفردا دون سربه. علما بأن التعليمات الدائمة في الدفاع الجوي تنص على إسقاط الطائرات الصديقة (السورية) حين تتجاوز خطا معينا قريبا من الجبهة مع إسرائيل أو من الحدود المشتركة مع الدول الأخرى، خصوصا إذا لم تكن قيادة العمليات الجوية قد أعطت الدفاع الجوي توجيهات أخرى مسبقا، وإذا كانت الطائرة المعنية تحلق خارج سربها، أي منفردة "! وكان العميد عصام (أبو مجد) قد أطلق سراحه في العام 1995 بعد انهيار وضعه الصحي الناجم عن اعتقاله في زنزانة انفرادية، وتوفي في مثل هذه الأيام من العام 2000 بعد أن انفجر قلبه بسبب المعاملة الإجرامية التي لجأ إليها النظام في إذلاله وإهانته وهو الجدير بأن تقام له النصب التذكارية في الساحات العامة. والجدير بالذكر أن العميد عصام قد أبدع خلال حرب أكتوبر، حين كان برتبة نقيب وقائدا لكتيبة كفادرات (سام 6 المحمولة على مدرعات)، نظرية في علم رمي الصواريخ أرض ـ جو، ما تزال تدرّس حسب علمي في أكاديمية فرونزا العسكرية الروسية وكليات غربية أخرى. وطبقا لاختصاصيين غربيين درسوا التكتيكات العربية في الحرب المذكورة، فإن العميد عصام أبو عجيب في سورية والفريق محمد علي فهمي (قائد الدفاع الجوي المصري آنذاك) يعتبران الضابطين الأكثر تميزا في أداء سلاح الدفاع الجوي منذ الحرب العالمية الثانية.
يبقى أن نشير إلى أن الراحل العظيم عصام أبو عجيب، المولود في بلدة القدموس في العام 1945، والضابط الذي لم يمنعه تشيّعه وإيمانه العميق من أن يصادق علمانيا ليبراليا مثلي، شاعر وموسيقار فذ ربما لن يكون له غرار في الجيش السوري خلال سنوات طويلة، خصوصا بعد أن دمره حافظ الأسد وحوله إلى ميليشيا انكشارية تقوم استراتيجتها العسكرية وعقيدتها القتالية على نقطة واحدة: القتال دفاعا عن النظام حتى آخر مواطن سوري! " .
هذا هو علي مملوك ، وهذا بعض من تاريخه الغامض في الجهاز الأكثر غموضا .
(2) هل التقى المحقق ديتليف ميليس ضابطا سوريا منشقا في جنيف ؟ ومن هو الرائد محمد سعيد صدّيق !؟
المجلس الوطني للحقيقة والعدالة والمصالحة في سورية 19.8.2005 :
هل التقى ميليس ضابطا سوريا منشقا في جنيف ؟؟!!
معلومات ينبغي التعاطي معها بحذر رغم جديتها :
ضابط سوري من مكتب اللواء حسن خليل التقى " ميليس " أول أمس في جنيف
بعد أن قدم " أدلة مفتاحية" في قضية اغتيال الحريري ووصل إلى باريس اليوم حيث يجري التحقيق معه
الرائد " محمد سعيد صدّيق " فرّ إلى السعودية بمساعدة وحماية جهاز استخباراتها الخارجي !!؟
معلومات " المجلس " : يوجد ضابط بهذا الاسم ، لكن لا دليل على أنه كان في مكتب اللواء خليل !
فيما قطع التحقيق في قضية اغتيال الرئيس الحريري شوطا كبيرا باتجاه وضع اليد على الجناة المباشرين وغير المباشرين كما تؤكد المعلومات المسربة من بيروت ، ذكر مصدر مقرب من أوساط " تيارالحريري " في باريس أن " الشخص الذي قدم المعلومات المفتاحية للجنة التحقيق الدولية هو ضابط المخابرات السوري (م . ص ) الذي عمل في مكتب اللواء حسن خليل رئيس شعبة المخابرات العسكرية السورية السابق حتى تاريخ إحالته على التقاعد أواسط شباط (فبراير ) الماضي بعد أن بلغ السن القانونية " . وقال المصدر في حديث خاص مع أحد أعضاء " المجلس " إن الضابط المذكور " فر إلى السعودية بترتيب مع جهاز استخباراتها الخارجي الذي نسق العملية مع أجهزة استخبارات دولية وإقليمية أخرى تخترق المخابرات العسكرية السورية منذ سنوات طويلة " . وأضاف المصدر " إن الضابط الذي يقيم الآن في السعودية بضيافة وحماية جهاز استخباراتها ، كان قدّم لرئيس لجنة التحقيق الدولية ديتليف ميليس أدلة مفتاحية ساعدته في فك لغزين أساسسين على الأقل من الألغاز المحيطة بعملية اغتيال الرئيس الحريري ، وهما قضية أحمد أبو عدس وشريطه التلفزيوني من جهة ، وقضية المادة المتفجرة C4 من جهة أخرى " . لكن المصدر لم يحدد ما إذا كان هذا الضابط قد التقى رئيس لجنة التحقيق مباشرة ، أم أنه سلمه معلوماته بطريقة غير مباشرة عبر طرف ثالث؟ إلا أن معلومات وردت إلى باريس ليلة أمس من جنيف تفيد بأن " ميليس " التقى أول أمس ، وقبل ساعات قليلة من عودته إلى بيروت ، الضابط السوري المزعوم ( م. ص ) في مقر البعثة السعودية بالأمم المتحدة ، حيث كان الضابط يرتدي لباسا خليجيا جعله يبدو كما لو أنه من طاقم البعثة " ؟ وفي تطور لاحق ، علم " المجلس " أن الضابط المذكور ليس سوى محمد سعيد صدّيق ، وقد وصل اليوم إلى باريس قادما من جنيف أو ماربيا في إسبانيا حيث يقيم رفعت الأسد " للمشاركة في مؤتمر لمجموعات سورية معارضة يعقد نهاية الشهر القادم برعاية وتمويل من جهات أمنية فرنسية ومكتب رفعت الأسد في فرنسا الذي يديره قريبه المدعو عقيل الخيّر " ، بحسب ما ذكره لـ " المجلس " مصدر ديبلوماسي سابق ينتمي للحزب الاشتراكي الفرنسي . وقد أشار هذا المصدر إلى أن الضابط المذكور " يخضع منذ وصوله إلى باريس اليوم لاستجواب السلطات الأمنية الفرنسية " . وقال المصدر " إن السلطات الأمنية الفرنسية اتصلت عبر طرف ثالث بالمعارض السوري نزار نيوف للمساعدة في تقديم معلومات عن الضابط المشار إليه باعتباره ( أي نيوف ) خبيرا بشؤون الاستخبارات السورية ويمتلك أرشيفا مهما جدا عن ضباطها ، إلا أن نيوف رفض التعاون مبررا ذلك بأن الفرنسيين في ظل حكم اليمين الديغولي لا يمكن الوثوق بهم بسبب علاقاتهم المشبوهة مع النظام السوري ، والتي لم تنقطع رغم تدهور العلاقات السياسية والديبلوماسية . وكانوا العام الماضي قد تسببوا في اعتقال ضابط سوري ووفاته لاحقا هو المقدم علي فاضل . والمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين " ! إلا أن نيوف ، وحين الاتصال به للتعليق على هذه المعلومات ، رفض تأكيد أو نفي ما قاله المصدر الفرنسي ، مؤكدا على أن " ملف الضابط المنشق الذي وصل إلى باريس ، وعلاقاته ، وما يتصل بملف اغتيال الرئيس الحريري ، على درجة كبيرة من الحساسية لا أحب الخوض فيه الآن " .
على أي حال ، يستشف مما ذكره المصدر أن الضابط المذكور " كان أرسل معلومات عبر السعودية إلى ميليس ساعدته في توجيه تحقيقاته باتجاهات معينة ، وهو ما دفع ميليس وشجّعه على السفر إلى جنيف للقاء الضابط " . كما ويستشف من أقوال المصدر " أن الضابط حدد الجهة السورية الضالعة في الجريمة ومستوى ضلوعها ، وأشار إلى أن الجهة المنفذة كانت جهة أصولية بالفعل ، لكنها مخترقة ومدارة من قبل جهات سورية ، وأن قضية أبو عدس وشريطه التلفزيوني تمت فبركتهما فعلا في دمشق بالاشتراك بين الحرس الجمهوري الذي يقوده ماهر الأسد ، وجهة مخابراتية سورية قد تكون مرتبطة باللواء بهجت سليمان الذي جرّد قبل عدة أسابيع من وظيفته كرئيس لأهم فرع في المخابرات العامة (الفرع 251 ) ووضع بتصرف القيادة العامة للجيش دون أي عمل " . كما يستشف من المصدر أن " الضابط الذي لعب دورا أشبه ما يكون بدور شاهد الملك King’s Evidence قدم أدلة مفتاحية تثبت امتلاك سورية للمادة المتفجرة C4 المستخدمة في جريمة الاغتيال ، والتي يقتصر إنتاجها على الولايات المتحدة ودول أخرى أعضاء في حلف شمال الأطلسي مثل بريطانيا وإيطاليا ، فضلا عن إسرائيل . وإذا كان الضابط لم يحدد الدولة التي حصلت منها سورية على هذه المادة ، إلا أنه كشف عن أن رجل أعمال سوريا لعب دور الوسيط في حصول سورية على مادة RDX ، التي تشكل 91 بالمئة من نسبة الخليط الداخل في تركيب C4 ، من شركة Chemko التي تقع مصانعها في مدينة Strazske شرقي سلوفاكيا ، وأن إبرام الصفقة تم في مدينة استانبول التركية قبل عدة سنوات تحت إشراف اللواء آصف شوكت رئيس المخابرات العسكرية السورية الحالي " . وفي اتصال سابق كان أجراه " المجلس " مع الخبير التشيكي ستانيسلاف بريبيرا في إطار تحقيق شامل حول " السوق السوداء والشرعية لمادة RDX في الشرق الأوسط " ، أكد الخبير " امتلاك سورية وإيران وحزب الله لهذه المادة " ، وبالتالي " قدرتهما على إنتاج متفجر السي فور بسهولة " . وحين واجهناه بكلام ضابط الاستخبارات والديبلوماسي السابق جوني عبده ، الذي أكد في مقابلاته الصحفية الأخيرة " عدم امتلاك سورية للسي فور " ، قال الخبير التشيكي " هذا الجنرال يهرف بما لا يعرف . وإذا كان قال ذلك فعلا ، فإنه أكثر ضباط المخابرات في الشرق الأوسط جهلا " . ( سينشر " المجلس " أقوال الخبير التشيكي كاملة في سياق التحقيق الصحفي الشامل الذي أجراه أحد الزملاء حول هذه القضية في عدة عواصم أوربية وشرق أوسطية . وذلك حين يتم الانتهاء من الجانب المتعلق بالتجارة غير المشروعة لمادةRDX في الشرق الأوسط ) .
من هو الرائد محمد سعيد صديق ؟
في التحقيق الذي أجراه " المجلس " في دمشق حول شخصية محمد سعيد صديق لم يجد أي دليل على أن هذا الرجل كان يعمل في أي وقت من الأوقات في مكتب اللواء المتقاعد حسن خليل رئيس شعبة المخابرات العسكرية السابق في سورية الموضوع الآن في ما يشبه الإقامة الجبرية ، والممنوع من السفر . إلا أن المعلومات تشير إلى أنه " متزوج من سيدة من جبل العرب في سورية ( تنحدر من الطائفة الدرزية ) وتمت بصلة قرابة للنائب والوزير اللبناني مروان حمادة الذي تعرض لمحاولة اغتيال العام الماضي في بيروت " . وتقول المعلومات المتعلقة بالضابط المذكور " إنه كان على صلة باللواء بهجت سليمان وبرفعت الأسد ، وبأنه زار رفعت الأسد أكثر من مرة في مقر إقامته بجزيرة ماربيا في إسبانيا . وهذا ما يفسر قدومه إلى فرنسا للمشاركة في أعمال مؤتمر جماعلت سورية معارضة الشهر القادم " ، حسب مصدر خاص في دمشق .
أيا تكن جدية المعلومات المذكورة أعلاه ، ينبغي التعاطي معها بحذر بالغ ، نظرا لأن أكثر من جهة إقليمية ودولية دخلت على خط القضية ، ولكل منها أجندتها الخاصة التي قد لا تكون معنية بالبحث عن " الحقيقة " في اغتيال الرئيس الشهيد ، بقدر ما هي معنية بالبحث عن مكاسب سياسية وديبلوماسية . فليس اغتيال الرئيس الحريري ، على صعيد لبنان والمنطقة ، بأقل أهمية وخطورة من نسف برجي نيويورك كما سبق وقلنا لحظة الغدر بالرئيس الشهيد !
(3) هل هناك علاقة بين اغتيال اللواء مصطفى التاجر واغتيال رفيق الحريري !!؟؟
المجلس الوطني للحقيقة والعدالة والمصالحة في سورية 30.8.2005 :
قبل عامين من اليوم ، وتحديدا في 2 أيلول / سبتمبر 2003 ، كشف " المجلس الوطني للحقيقة والعدالة والمصالحة في سورية " عن أن اللواء مصطفى التاجر ، نائب رئيس المخابرات العسكرية ( آنذاك ) ، قد جرت تصفيته بمادة سمية قاتلة هي الـAconitum يوم الخميس 28 آب / أغسطس 2005 بينما كان في مزرعته الخاصة ( مزرعة المنصورة ) بالقرب من مدينة حلب شمالي سورية . وعلى الفور رد مصدر رسمي سوري على على هذا الخبر ، عبر مراسلي بعض الصحف العربية في دمشق ، مدعيا أن " اللواء التاجر توفي بجلطة قلبية " ! وكان المعارض السوري نزار نيوف قد اتهم في مقابلة مطولة مع " إيلاف " في آذار / مارس الماضي مسؤولا أمنيا سوريا كبيرا بالوقوف وراء دس المادة السمية عن طريق أحد حراس التاجر ، والذي كان يعمل لحساب المسؤول المشار إليه . وذلك على خلفية " اتهام هذا المسؤول للواء التاجر بتقديم معلومات للإدارة الأميركية حول تهريب أموال صدام حسين إلى لبنان وسورية من قبل مسؤولين أمنيين سوريين وساسة لبنانيين يعملون لحساب هؤلاء ويشاركونهم أعمالهم المافيوية في لبنان والمنطقة " .
اليوم ، وبعد سنتين من " اغتيال " اللواء التاجر وأكثر من ستة أشهر على اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري ، وفيما قطع التحقيق الدولي شوطا كبيرا باتجاه الكشف عن هوية الفاعلين ، تثور في أروقة بعض الدوائر الأمنية تساؤلات عن " العلاقة " بين عمليتي الاغتيال لجهة هوية الفاعلين و القضية التي قد يكون المغدوران كلاهما قد ذهبا ضحية لها و سقطا في شراكها المحلية وخيوطها الإقليمية والدولية ؟
أموال صدام وخلفية القضية :
قبل اجتياح بغداد على أيدي قوات التحالف بحوالي شهرين ، قام ثلاثة سياسيين لبنانيين يعملون مع ضباط استخبارات سوريين ، وبتسهيلات لوجستية من هؤلاء ، بزيارة عدي صدام حسين في بغداد بصفته " رئيس اللجنة الأولمبية العراقية " . وبالاتفاق والتنسيق مع هذا الأخير ، قام الساسة المشار إليهم بشحن كميات كبيرة من أرصدة البنك المركزي العراقي بالعملات الصعبة و المعادن الثمينة ( أونصات ذهب ، وذهب أبيض ـ بلاتين .. إلخ ) إلى لبنان حيث جرى تبييضها في " بنك المدينة " الذي انفجرت فضيحته بعد ذلك ، وإلى بعض المصارف السورية التي أصبحت " موجوداتها العراقية المسروقة " أحد المصادر الرئيسية لتمويل الإرهاب والأنشطة الإجرامية التي تقوم بها فلول النظام العراقي وبقايا أجهزته الأمنية داخل العراق وخارجه . وقد أثير في أروقة عدد من الأجهزة الأمنية الإقليمية والدولية اسما اللواء غازي كنعان ( وزير الداخلية السوري الحالي ورئيس جهاز الاستحبارات في لبنان سابقا ) والعميد رستم الغزالي ، خليفته على رأس هذا الجهاز ، بصفتهما " بطلي عملية تهريب الأموال " المشار إليها و " المخططين الفعليين لها ، والمستفيدين الأساسيين منها " .
إثر اجتياح قوات التحالف للعراق ، وإسقاط نظامه الفاشي ، بدا الأمر للعديد من رموز " مراكز القوى " في النظام السوري ، وربما لم يزل الأمر كذلك رغم التعثر الأميركي في العراق ، أن " قطار التغيير " الأميركي انطلق من محطته العراقية ولن يتوقف حتى يمر عبر محطات المنطقة كلها وفي مقدمتها دمشق . وتولدت نظرية لدى بعض أقطاب " مراكز القوى " تلك ، في مقدمتهم ماهر الأسد ومصطفى التاجر ورامي مخلوف ، مفادها أن القفز إلى إحدى عربات هذا القطار ، سواء أكانت عربة أمنية أم اقتصادية أم سياسية ، هي الوسيلة الوحيدة المتبقية لتفادي السحق تحت عجلاته . فقفز رامي مخلوف إلى العربة الاقتصادية واحتكر تزويد القوات الأميركية في العراق بالبنزين السوري ومشتقات نفطية أخرى ، فيما قفز ماهر الأسد إلى العربة السياسية وفر إلى الأردن نهاية شهر تشرين الثاني / نوفمبر 2003 مع زميليه العميدين في الحرس الجمهوري بشير قره فلاح ومحمد سليمان ، دون أن يكون عمه رفعت خارج الصورة ، عارضا على الملك عبد الله الثاني أن يتوسط له لدى الإدارة الأميركية باعتباره " بديلا قويا لشقيقه الضعيف غير القادر على اتخاذ القرارات الشجاعة على صعيد السلام مع إسرائيل " . وقد عاد ماهر الأسد وزميلاه بخفي حنين بعد حوالي الشهر حين أبلغت الإدارة الأميركية الملك الأردني بأن " ماهر الأسد رجل غير جدير بالثقة ، وربما كانت خطوته هذه لذر الرماد في العيون الأميركية وإرغامها على التغاضي عن دوره المشبوه مع شريكه بهجت سليمان على الساحة العراقية " ! هذا فيما قفز آصف شوكت ليس إلى القطار الأميركي ، بل إلى " البيجو " الفرنسية الأقل سرعة ! فزار باريس سرا عدة مرات لطرحه نفسه بديلا عن " التيار الأميركي في النظام السوري " ، كان أهمها الزيارة التي حصلت بعد اغتيال الرئيس الحريري بخمسة أيام ، أي في التاسع عشر من شباط / فبراير الماضي ودامت ثلاثة أيام !
قبل ذلك بعدة أشهر ( نعني صيف العام 2003 ) كان اللواء التاجر قد طار سرا إلى واشنطن عارضا هو الآخر بضاعته في سوق " النخاسة السياسية " الأميركية . فقدم للمخابرات العسكرية الأميركية ملفا كاملا عن قصة تهريب أموال صدام إلى سورية ولبنان ، وجداول بأسماء أبطالها وحصص كل منهم ، بدءا بغازي كنعان وانتهاء برنا قليلات ( الميرة التنفيذية لبنك المدينة اللبناني ـ ماكينة غسيل الأموال ) وشقيقها طه ، مرورا برستم الغزالي و كريم بقرادوني وإميل إميل لحود ( نجل الرئيس ) وجميل السيد وآخرين . وبعد عودته إلى دمشق استمر في متابعة التنسيق حول القضية وتبعاتها مع ضابط الأمن الإقليمي في السفارة الأميركية بدمشق ميشيل ماك ( Michael Mack ) الذي كان يزور التاجر في مكتبه على نحو منتظم باعتباره " ضابط الارتباط الرسمي والتنسيق الأمني في مكافحة الإرهاب بين سورية وواشنطن " ، وهو أمر لم يكن يسمح بإثارة الشبهات لدى الأقطاب المنافسين في " مراكز قوى " النظام ، وبشكل خاص غازي كنعان الذي وضع رنا قليلات تحت حمايته المباشرة ( عبر وكيله رستم الغزالي ) ، حتى وهي رهن الاعتقال ، قبل أن يدبر تهريبها إلى مصر عبر يخت تعود ملكيته لأحد المتنفذين اللبنانيين من عملائه !
بعد شهر من ذلك ، وتحديدا في آب / أغسطس 2003 ، كان الخلاف بين البنتاغون وديك تشيني من جهة ، ووكالة المخابرات المركزية الأميركية ووزارة الخارجية من جهة أخرى ، قد قطع شوطا كبيرا على طريق تكريس " القطيعة " بين رؤية كل منهما للملف العراقي وللتغيير في سورية وعلاقة كل منهما بالآخر . وفيما كان الطرف الأول يصعّد ويضغط باتجاه التعجيل بتكنيس النظام السوري وإلحاقه بشقيقه على الضفة الأخرى من الفرات ، كان الطرف الثاني يرمي بثقله كله لحماية النظام السوري وإحاطته بدرع أميركي واق محاججا بأن النظام السوري " لم يزل يلعب دورا هاما جدا على صعيد مكافحة الإرهاب والحفاظ على الاستقرار في جنوب لبنان ، ولا بديل له سوى الفوضى التي زرعتموها أنتم ( تيار المحافظين والصقور ) في العراق " ! ولم تكن تصريحات الوزيرة السورية بثينة شعبان ، المشيدة " بتفهم وكالة المخابرات الأميركية للدور الإيجابي الذي تلعبه سورية في مكافحة الإرهاب " غير ذي معنى ومغزى في هذا السياق !
الأخطر من ذلك ، أن هذا التيار الثاني ( الخارجية والسي آي إيه ) كان قد بدأ يضع أيديه على مؤشرات ومعطيات فعلية حول ما يقوم به تيار ديك تشيني والمحافظين من وراء الكواليس ، وبشكل خاص الاتصالات مع اللواء التاجر والعماد أول حكمت الشهابي المقيم في الولايات المتحدة عند ابنه الدكتور حازم . ولقطع الطريق أمام أي " مغامرة طائشة " قامت السي آي إيه بإخبار غازي كنعان بكل التفاصيل المتعلقة بهذه الاتصالات أواخر آب / أغسطس 2003 . وفي 28 منه التحق التاجر ، أو أُلحِق ، بالرفيق الأعلى !
رفيق الحريري ـ شاهد الحقيقة الذي " يجب أن يرحل "
كان معلوما جيدا لدى السي آي إيه والخارجية الأميركية أن وزير الدفاع اللبناني الأسبق محسن دلول ( ابنه نزار متزوج من ابنة الحريري ) هو أحد الأصدقاء المقربين جدا من اللواء التاجر واللواء كنعان ، بل و "شريكهما في تجارة المخدرات إلى جانب النائب اللبناني السابق يحي محمد شمص ( من منطقة البقاع ) الذي زج به في السجن في النصف الأول من التسعينيات الماضية لمدة خمس سنوات بأمر من غازي كنعان الذي كان أوعز لأزلامه في كتلة نبيه بري وغيرهم بتجريده من حصانته النيابية " كما أكد لنا مصدر أميركي شبه ديبلوماسي سبق له أن عمل في بيروت . وكان دلول دائم التواصل مع التاجر ، حيث تعود علاقتهما إلى سنوات بعيدة . وقد صادف أن رآه كاتب هذه السطور في مكتب التاجر ، بمحض المصادفة ، ظهر يوم السبت 7 آب / أغسطس 1993 !! ومن المعلوم أن يحي شمص لم يجرد من حصانته ويعتقل إلا بعد أن أطلق تصريحات هدد خلالها بأنه سيكشف عن جميع المعلومات الخاصة بهذا الملف إذا جرى اعتقاله ، مشيرا بالتحديد إلى ضباط مخابرات سوريين كبار في لبنان . ( في ذلك الوقت لم يكن كنعان والتاجر في خندقين متواجهين ، بل في حلف واحد مع " العشرة المبشرين بجنة حافظ الأسد " ، وعلى رأسهم علي دوبا ) . وبحسب المعطيات المتوفرة من مصادر موثوقة فإن محسن دلول ، أحد أبرز رجالات وليد جنبلاط والمخابرات السورية أيضا ، نقل إلى غازي كنعان والغزالي " حقيقة أن الرئيس رفيق الحريري على علم تام بدور ضباط سوريين في تهريب أموال النظام العراقي إلى سورية ولبنان وبنوكه ، وبشكل خاص بنك المدينة ، وبتورطهم في دعم فلول النظام العراقي بالمال والسلاح والتسهيلات اللوجستية لتجنيد وعبور الإرهابيين " . كما أن دلول ، ودائما حسب المصدر ، " أخبر أسياده السوريين بأن رفيق الحريري أطلع الرئيس شيراك ومسؤولين أميركيين كبار على ذلك عبر رجل أعمال مقرب من نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني التقاه في جنيف أكثر من مرة ، وأنه سيقوم بفتح كل هذه الملفات حين يعود مرة أخرى إلى رئاسة الحكومة بفضل ما سيفرزه القرار 1559 من معطيات جديدة " . وعلق المصدر على ذلك بالقول " إن الحريري كان آخر من يعلم بأن المخابرات السورية زرعت في وسطه العائلي مخبرا كان ولم يزل عاجزا عن رؤية أي شيء في العالم إلى من تحت أحذية النظام السوري " !
الأميركيون ينكرون مسؤوليتهم عن مقتل التاجر ويبرئون النظام السوري من دمه و يهاجمون الحريري !
في ربيع العام الماضي كان ثلاثة صحفيين يعدون العدة لتهريب ضابط المخابرات السوري السابق علي فاضل ، الذي سبق له أن عمل بالقرب من غازي كنعان في بيروت ويعرف الكثير من أسراره ، فضلا عن الوثائق التي يملكها حول الممارسات المافيوية لشبكة النظام الأمني السوري ـ اللبناني . وكان دافعهم إلى ذلك إعداد أربعة أفلام وثائقية حول سورية ، أحدها يتعلق بالشبكة المشار إليها . أما الصحفيون الثلاثة فهم نزار نيوف ( الذي وضع الخطوط العامة لسيناريوهات الأفلام الأربعة ) ، و غوين روبرتس Gwynne Roberts الذي ينتج أفلاما وثائقية للقنال الرابعة في الـ BBC البريطانية ولشبكة CBS التلفزيونية الأميركية ، والذي سبق له أن أنتج أفلاما نالت جوائز عالمية حول محرقة " حلبجة " الكيماوية وغيرها ، و كريستوفر آيشام Christopher Isham رئيس قسم التحقيقات المصورة في القناة الأميركية المذكورة الذي كان قدم باسم محطته ، التي تبنت تمويل هذا المشروع واحتكار بث الأفلام الأربعة ، ما يسمى " بضمانات أمن الشاهد " . وهي ضمانات تتعلق بمستقبل الشخص المذكور وعائلته وسلامتهم .
كان من الواضح أن ثلاثة أجهزة استخبارات غربية ( " متناقضة " المصالح في سورية والشرق الأوسط ؟ ) قد اشتمت رائحة هذا المشروع عبر مراقبة البريد الإلكتروني للصحفيين الثلاثة ، وأدركت أنه سيفجر عددا من القضايا والمشاكل للدول الثلاث ، وهي بغنى عنها . أما الأجهزة فهي الفرنسي والبريطاني والسي آي إيه الاميركية . وقبل تنفيذ مهمة تهريب الضابط المذكور دخلت ديبلوماسية أميركية على الخط ، على نحو مفاجيء ، طالبة لقاء نيوف في باريس . خلال اللقاء اكتشف هذا الأخير أن الأميركيين على علم بكل ما يجري و ... يراقبونه لحظة بلحظة . وفي 28 أيلول / سبتمبر 2004 ، أي قبل ساعات من مغادرة علي فاضل لسورية ، كان قد جرى اعتقاله من قبل آصف شوكت والحرس الجمهوري ، ليتوفى بعد ذلك في مشفى تشرين العسكري في ظروف غامضة . وسيتضح لاحقا أن الفرنسيين " لم يكونوا أبرياء " مما جرى حسب مصدر " إعلامي " فرنسي ، بسبب تخوفهم من وثائق قد تكون بحوزة علي فاضل تتعلق بعلاقتهم المشبوهة مع النظام السوري في " موضوع محدد " لا مجال للحديث عنه هنا ، وربما يأتي الوقت المناسب للكشف عنه .
لكن ما لا يقل خطورة عن ذلك هو دفاع السيدة الديبلوماسية ، المستميت ، عن بشار الأسد ونظامه وإنكارها أن تكون واشنطن قد وشت بمصطفى التاجر لهذا النظام . وقد حدث بينها وبين نيوف مشادة كلامية حين وجه نيوف للخارجية الأميركية والسي آي إيه اتهاما مباشرا بالمسؤولية عن تصفية المذكور ( مصطفى التاجر) عبر إخبار غازي كنعان عن " القناة الخاصة " التي فتحها التاجر لحسابه الخاص مع البنتاغون وجماعة ديك تشيني .. أي تماما كما فعلوا مع الضباط العراقيين الذي حاولوا مطلع التسعينيات القيام بمحاولة انقلابية ضد صدام ، حيث أبلغوا صدام بالمحاولة فقام بذبح هؤلاء الضباط قبل إقدامهم على خطوتهم ! وكان من اللافت أيضا أن هذه الديبلوماسية شنت هجوما عنيفا على كل من مصطفى التاجر وديك تشيني ورفيق الحريري الذي اتهمته بأنه يقود لبنان إلى " مغامرة غير مأمونة العواقب مع النظام السوري لن تجر إلا المزيد من الويلات على لبنان والمنطقة " !
فهل هناك من علاقة بين " اغتيال " مصطفى التاجر واغتيال رفيق الحريري ؟ وهل كان ما جرى مجرد قتل متسلسل لمجموعة من شهود قضية ما ؟ وهل تحال قضية اغتيال الحريري إلى محكمة دولية خاصة تسمح ملفاتها بإلقاء الضوء على هذه الجرائم وجرائم غيرها لا يعرفها إلا الأبالسة ؟
ذلك غيض تساؤلات من فيض أسئلة قد تكون الإجابة عليها أقرب من طرفة عين ، وقد تبقى " ألغازا " إلى الأبد !

0 Comments:

Post a Comment

<< Home